اسماعيل بن محمد القونوي
370
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
حقيقة الترجح بالنظر إلى المرجو منه فالجامع بينهما ما أشرنا إليه وقال ابن عطية إن الرجاء على حقيقته والمراد رجاء غير المتكلم والمخاطب فإنه لما ولد كل مولود على الفطرة كان بحيث إن تأمله متأمل توقع ورجا أن يكون متقيا فلا يلزم منه تشبيهه تعالى بالمرتجي كما لزم من كلام الكشاف قوله إن تأمله متأمل الخ تحقيق ما قاله من أن لعل على حقيقة الرجاء لكن رجاء غير المتكلم والمخاطب ولعل مراده من أن الرجاء على حقيقته أنه أقرب إلى الحقيقة لكونها باقية في معنى الرجاء وإن كان من غيرهما إذ قد عرفت أن لعل لإنشاء الترجي ولا معنى لإنشاء المتكلم رجاء غيره وأما الإشكال بأن ذلك ينافي قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] وإن قوله مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] عام للصبيان والمجانين فلا وجه لأن يقال إن اللّه تعالى : خلقهم مريدا منهم التقوى أي طالبا لها فمدفوع بأن الإرادة بمعنى الطلب فيصح تخلف مطلوب اللّه تعالى عن طلبه ولا يبعد « 1 » أن يقال العبادة غاية مطلوبة لخلقهم حيث خلقوا مستعدين لها بحيث يتأتى منهم العبادة وهدوا إليها بأن ركب فيهم عقولا وجعل لهم حواس وتعوق بعضهم عن الوصول إليها بأسباب لا يمنع كونها غاية مطلوبة وبهذا ظهر التوفيق بين قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [ الأعراف : 179 ] الآية وبين قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ومن هذا انكشف الجواب عن الإشكال الثاني أيضا فإن الصبيان والمجانين الذين ماتوا ولم يصلوا إلى درجة التكليف تعوقهم عن الوصول إلى العبادة مماتهم حال صباوتهم وجنونهم وقد عرفت أن مثل ذلك لا يمنع كون العبادة مطلوبة من خلقهم فلا حاجة إلى أن يقال إن اللّه تعالى خلق جنس من قبلهم مريدا طالبا منهم التقوى فتخلف بعض الأفراد لا يقدح فيه وهذا الإشكال مع جوابه جار في قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] إذ الخطاب عام للصبيان والمجانين المذكورين فلا يعرف وجه التخصيص بمن قبلكم وأيضا ينحل الاشكال بذلك في قوله وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] بلا حاجة إلى تأويل إرادة الجنس . قوله : ( باجتماع أسبابه ) أي الاتقاء وهي العقل والحواس السليمة والاقتدار على النظر الصائب والفكر الثاقب ( وكثرة الدواعي إليه ) أي إلى الاتقاء وهي الآيات الزاجرة عن المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل ومصداقه قوله عز وجل : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ هود : 7 ] وإنما يبلو ويختبر من يخفى عليه العواقب ولكن شبه بالاختيار بناء أمرهم على الاختيار قال صاحب الانتصاف كلام الزمخشري حسن إلا قوله وأراد منهم التقوى فإنه على مذهبه واللّه سبحانه وتعالى مريد عند أهل السنة من كل واحد ما وقع منه أي خيرا كان أو شرا طاعة كان أو معصية وقال أيضا كلامه وأقدرهم وألقى بأيديهم زمام الاختيار خطأ .
--> ( 1 ) وإلى هذا التوجيه أشار إجمالا مولانا سعدي في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] .